3.2.11

دوق الصحراء

الساعة الآن الثالثة وثمان وأربعون دقيقة صباحاً
لا زلت يقظة، أعكف على كتابة فكرة برنامج للأطفال
كنت قد استمعت لألبوم دوق الصحراء، عامر الخفّش في وقت سابق وأدركت أنني بحاجة إلى إعادة الاستماع إليه في وقت آخر وفي ظل طقوس أخرى كي أفهم ما الذي يريده هذا المجنون بالضبط من هذا الألبوم لأنني وبكل صراحة وسذاجة، لم أفهم المغزى من أغانيه في أوّل عملية استماع، والليلة اخترت أن يكون رفيقي في سهرتي هو ألبوم "دوق الصحراء".
ويبدو أن "ماسورة" إلهام انفجرت فجأة في رأسي فراحت أفكاري تتدفّق كفيضان عجزت عن السيطرة عليه واخترت لبرنامجى خطوطاً مختلفة تماماً عن تلك التي كنت قد رسمتها في مخيلتي بقلم رصاص فرحت أكتب وأكتب، وبينما كنت أكتب.. كنت أستمع وأستمع .. وبينما كنت أستمع .. كنت أستمتع وأستمتع!
للحظة معينة .. شعرت أنني أستمع إلى مشروع "محمد منير" أردني !
لم تخطر ببالي أي فكرة أخرى على الإطلاق
أقولها بكل ثقة ويقين وكأنني أرى المستقبل بأم عيني، هذا الشاب دائم الابتسامة، ذو العمامة واللبس الغريب كأنّه شيخ قبيلة متنكّر في هيئة "دوق" أو "كاوبوي" طاب له السهر في صحراء رام فاتّخذها مقراً لجنونه وعبقريته في آن !
هذا الشاب الأردني.. غنّى ألبومه كاملاً باللهجة الأردنية المحكية في الشارع والحارة وباصات عمّان الزرقا والدكاكين والمدارس والدوائر الحكومية  – مع احترامي الشديد للهجات الأخرى ومن يتغنّى بها- ونفى الدوق بذلك كل ما يقال عن قصور لهجتنا الحبيبة عن المنافسة بتأليف الفنّ بأنواعه، فها هو يستخدم مفرداتها بكل سلاسة وأريحية في أغانٍ تنقلك إلى حيث يكون تماماً.. فعندما كان يغنيّ "ألف تحية للعرسان" يشعرك أنّك تجلس على طاولة واحدة مع الشقيق الأصغر العفريت للعريس الذي يشاكس سوزان وطمطم وعرفان وبرهان ويراقب البيبسي على الطاولات، ويثير قلقك على قنينة الزيت ويدفعك لأن توافقه الرأي أنّه "ما في أحلى من الزعتر مع الزيت".. ويجعلك تحبّ عمّان أكثر، وتتفاءل ببكرة الحلو أكثر، وتتخيّل نفسك في حضن المرجوحة وفي العلّيّة تتناول وجبة دافئة على الطبلية.. وتجتمع مع جيرانك الطيبين ذات عصرية .. وتشعر بذلك الوجع الذي جبلت عليه الروح .. لتصل إلى سمو ورقيّ في الفكرة والأداء إسمه " أدوما" ودائماً بلهجة أردنية صرفة !!
عامر .. إن كنت أدين لك بشي، فإنني أدين لك باعتذار لاعتقادي بأنّ فنّك كان أكثر بساطة أو أكثر تعقيداً من أن أفهمه وأحبّه .. والآن أعترف لك أنّك من القلائل الذين استطاعوا أن يجذبوني للاستماع إلى الألبوم كاملاً مرّة تلو المرّة وفي كل مرّة يزداد اعجابي بالفكرة والصورة والزمن والمضمون الراقي لكل عمل، ولأكون أكثر صدقاً، فإنني لا زلت حتّى الآن واقعة تحت تأثير هذا الألبوم وعاجزة عن تبديله بخيار آخر.
أبدعت يا دوق الصحراء .. وأبدع جميع شركاؤك في إخراج هذا الألبوم لمحبّي الفن الراقي الملتصق بحياتهم اليومية وخبزهم وقهوتهم وحاراتهم وذكرياتهم وأحلامهم وآلامهم الصغيرة والكبيرة.